بن عيسى باطاهر
168
المقابلة في القرآن الكريم
وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 11 ) [ التوبة : 9 - 11 ] . هذه الآيات تتحدث عن الظلم البشري في مقابل العدل الإلهي ، فالظلم البشري تمثّل في موقف المشركين العدائي للإسلام والمسلمين ، فهم قد « استبدلوا بآيات اللّه الدالة على وجوب توحيده بالعبادة ، وعلى بعثه للناس وجزائهم على أعمالهم وعلى الوحي والرسالة وما فيها من الهداية ، ثمنا قليلا من متاع الدنيا وهو ما هم فيه من أسباب المعيشة ، وقد صدّوا عن سبيله وأعرضوا عن سبيل اللّه وما يقتضيه من الوفاء بالعهود ، وصدّوا غيرهم وصرفوهم عنه ، ثم إنهم من أجل كفرهم وصدودهم لم يرعوا في مؤمن يظهرون عليه ويقدرون على الفتك به ربّا يحرم الغدر ، ولا قرابة تقتضي الود ، ولا ذمة توجب الوفاء ، ثم وصفوا وصفا يعبّر عما هم عليه من الظلم والعدوان فقال : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ والعلّة في اعتدائهم وتجاوزهم هو رسوخهم في الشرك ، وكراهتهم للإيمان وأهله ، فلا علاج لهم إلّا بالرجوع عن كفرهم والاعتصام مع المؤمنين بعروة التوحيد والإيمان ، وما تقتضيه من الأعمال الصالحة وفضائل الأخلاق « 1 » . وأما العدل الإلهي فيتمثّل في مقابلة الشدّة باللين ، والذنب بالتوبة ، فقال تعالى : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وهذا فيه تنبيه لهم على أن تدارك الأمر هيّن عليهم إن هم تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة والتزموا بتكاليف الشريعة ، وفرّع على التوبة أنهم يصيرون إخوانا للمؤمنين ، « فناسب أن يفرّع على توبتهم عدم التعرض لهم بسوء ، وقد حصل من مجموع الآيتين أن توبتهم توجب أمنهم وأخوتهم » « 2 » .
--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 - ص 186 - 187 . ( 2 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 10 - ص 127 .